جريدة الطلية، شئون كويتية، الأربعاء، مارس، 1997، العدد 1276 (7) عطاء الرواد بين المحذور والميسور من وحي الموسم الثقافي لرابطة الاجتماعيين الرابع والعشرين لعام 1997، كثيراً ما يتبادر إلى الذهن التشابه بين “البندقية” فينسيا الأوروبية في عصر النهضة والقرون الوسطى، وبين الكويت الخليجية العربية في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، فالموقع متشابه، لليهما مدن تطل على البحر، والبشر في كليهما نشط ومتحرك والمهنة فيهما ركوب البحر والتجارة. تركت فينسيا آثارها الواضحة على جميع البلاد المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط ومثلها فعلت الكويت بتأثير على جميع البلاد المطلة على الخليج العربي. تجولت سفن فينسيا في بحار العالم، وجلبت توابل الشرق إلى الغرب، وحرير الصين إلى أوروبا، وعاج أفريقيا وذهبها إلى بنوكها. وهو ما فعلته الكويت حين أبحرت سفنها في بحار المنطقة، محملة بالتمور إلى أفريقيا والهند، والتوابل وغيرها إلى الخليج، وباعت لآلئ الخليج إلى الهند وأوروبا، فجلبت الثروة ةإلى شواطئها، فكان للمكان ميزته وللإنسان عبقريته، ويبقى التشابه نسبياً، ولكن هذا التشابه لم يقتصر على ذلك بل تعداه إلى مساهمات الأثر الغنية في حركة التنوير، وإرساء أسس الحركة الثقافية. فكما كانت أسرة “مديتشي” الإيطالية.. كان أسرة “آل إبراهيم” الكويتية، كلاهما تمتع بالنفوذ والثراء الواسع، كان لأسرة “مديشتي” نشاط في مدن أوروبية كثيرة: كذلك الحال “لآل إبراهيم” في اتساع أعمالهم التي غطت مدن الخليج مروراً ببومبي وكلكتا، ومن ثم إلى أوروبا، حتى وصل نشاطهم أمريكا حيث استقر نفر منهم هناك. سهمت كلا الأسرتين في نشر العلم والمعرفة، واحتضان المفكرين والأدباء، والإنفاق لبناء دور العبارة والدراسة. آل إبرهيم طلائع التنوير ويبقى الفرق، فقد كتب عن “مديتشي” الكثير، ولم يطل “آل إبراهيم” إلا النزر البسيط، ويمكن أن نشبه ما طالهم بنصيب متكشف القارتين الأمريكتين “كرستوفر كولمبوس” فقد أطلق اسمه على بلد صغير في مان ناء من الجزء الجنوبي هو “كولمبيا” بينما أطلق اسم بحار مغمور كان بصحبة “كولومبس” وهو “أمريكو فيسبوتشي” على قارة شاسعة غنية وقوية، ارتبطت باسمه إلى الأبد هي أمريكا. المحصلة إن تاريخ التنوير في فينسيا قد أثرى نتيجة استيعابه لتاريخ الأسر الرائدة، بينما تهمش واختزل تاريخ حركة التنوير في الكويت، نتيجة اختزال دور وفاعلية أسره القديمة الرائدة، وكما قال ابن الأحمر مستنجداً: فكم من تقي السلاسل مودق يبكي لآخر في الكبول مقيد وتعز في أرض الغريب مدائن والله في أقطارها لم يعبد مزاملة إلى الموسم الثقافي الرابع والعشرين لرابطة الاجتماعيين، وجلستيه الخامسة المخصصة لـ” حركة التنوير في المجتمع الكويتي وتأثيرها في قيام المجتمع المدني” والسادسة المخصة لمناقشة” الثقافة في المجتمع الكويتي جذورها وآفاقها، وجدنا الفرصة المناسبة لطرح مثل هذه التساؤلات فعلى الرغم من كثرة الكتابات في التاريخ السياسي والاجتماعي لم نجد توجها من الباحثين والأكاديميين إلى طرق هذا السبيل، حتى تكاثرت الأخطاء وطمست حقائق ودلالات تاريخية، سواء بحسن نية أو سوء طوية، فكادت تطغى على الثوابت، وإذا استمر ترديد هذه الأخطاء فقد يؤدي ذلك إلى اعتبارها سنداً تاريخياً وهذا ليس بالمستبعد. من هذا المنطلق راينا أن نسجل بعض ما طمس من هذه الحقائق راجين أن تناقش وتفند، إن وجدت بها أمور غير صحيحة أو وقائع مبالغ فيها، فالمرجو هو معرفة حقائق التاريخ، فهي مرآة الماضي ومصباح الحاضر وذخيرة المستقبل. فالكويت لم تولد حينما اكتشف أول بئر نفط فيها، بل كانت وما زالت أرضاً طيبة أنبتت عبر تاريخها الطويل رجالاً، يحق لنا أن نفخر بها وبهم على مر السنين، وهم كقول الشاعر: إن الشعوب مصيرها في كفها تسدي النفوس وتبذل الأموال نرجع مرة أخرى إلى ما بدأنا به عن هذه الأسرة الكويتية: يقول المرحوم “يوسف بن عيسى القناعي، في كتابه “صفحات من تاريخ الكويت” : إن “آل إبراهيم من بيت رفيع بالكويت ولهم مصاهرة قديمة مع آل الصباح، وكان هذا البيت في ذلك الزمن أثرى بيت في الكويت، وقد تحقق لهم من العز والجاه ما لم ينله أحد منذ تأسيس الكويت فالثراء والعز والبذل هي الأساس الذي أرست فيه هذه الأسرة بواكير قواعد “التنوير” فكانت المهاد المريح الذي تربت عليه. فإذا كان التعليم يبدأ بمبادئ الدين الحنيف، فقد وزعت الأسرة مصاحف شريفة وكتب الشروح وأشادت بالمساجد لذكر الله وعبادته، فأول مسجد بني في الكويت هو مسجد بن إبراهيم سنة 1158هـ 1754م، وسمي مؤخرا بمسجد بن بحر، نسبة إلى “إمام الصلاة فيه” كذلك هو الحال لمسجد العدساني، والذي يقال إن بناءه تم على نفقة الشيخ “عيسى بن محمد آل إبراهيم” وهو الذي قام كذلك بترميم مسجد ياسين” إن هذه المساجد الثلاثة، تعتبر من أقدم المساجد في الكويت. بعد ذلك أصبح من المحتم أن يقوم أفراد من هذه الأسرة بمحاولات متقدمة هي فتح المجالس” الدواوين” لتدريس أبناء الأسرة وأقربائها وأصدقائهم وأرحامهم والتابعين وبعض المستحقين. يذكر المرحوم “مقبل العبد العزيز الذكير” في مذكراته المخطوطة والتي لم تنشر: “إنه قدم من عنيزة بنجد وهو صبي في الثانية عشرة من عمره، ومعه مجموعة من أبناء بعض التجار من نجد، يذكر منهم “الخنيني” وأقاموا للدراسة مع ابناء أسرة “آل إبراهيم” في مجلس “ديوان” في الحي الوسط “بهيته” وذلك في العقد الأخير من القرن الماضي، ويذكر أن مثل ههذ الأمور كانت استمرارية لعقود طويلة مضت، ومدلولها اهتمام أهل الكويت المؤسست بتعليم أبنائهم وتثقيفهم، مما حدا بأبناء المناطق المجاورة وما تمليه أواصر القربى والجوار، والاستفادة من هذه المجهودات التي لم تكن متوافرة بين ظهرانيهم، فقاموا بإرسال أبناءهم. أول مبعوث كويتي للأزهر .. وطباعة أول كتاب عام 1871 م كما ساهمت الأسرة بدعوة واستضافة وتشجيع رجال العلم والدين والمعرفة، بالقيام بمهمة التدريس عندهم/ وما غرسال أول مبعوث كويتي إلى الدراسة في الأزهر الشريف بمصر، إلا بداية منهم، وكان المرحوم الشيخ “مساعد العازمي” هو ذلك المبعوث، وقد بادره الشيخ “علي بن محمد آل إبراهيم” برعايته، وطلب منه طباعة كتاب” نيل المأرب” للشيخ “عبدالقادر بن عمر الشيباني” فتمت طباعة هذا الكتاب في “مطبعة بولاق” بالقاهرة عام 1288هـ – 1871م أيام حكم الخديوي إسماعيل، وهو أول كتاب طبع على نفقة كويتي، راجع كتاب “من هنا بدأت الكويت” لـ “عبد الله الحاتم”. ولم تكن هذه المدارس بالمجالس” مقصورة على الكويت” فقد كان للأسرة مجالس ونشاط اجتماعي وتجاري في بدلان شتى، نذكر منها مكة المكرمة والمدينة المنورة، ذكرها أمير الحج وقومندان حرس المحمل سنة 1901م إبراهيم رفعت باشا في كتابة “مرأة الحرمين”. أما عن تجارتهم وسيطرتهم على كل ما يصدره الخليج من اللآلئ إلى الهند، فقد وصفتها بدقة رسالة القنصل البريطاني رايتسلو إلى السفير البريطاني في الأستانة السير نيكالاس أوكونر في 13 يوليو 1902م، يقول فيها: “إن آل إبراهيم يسيطرون على التجارة في الكويت قاطبة، بواسطة مكاتبهم في بومبي. راجع كتاب “التاريخ السياسي للكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح” د. فتوح الخترش. ملوك اللؤلؤ يستضيفون طاغور إن من المحتم أن يكون نصيب كبير لأبناء الأسرة والجالية العربية في بومبي، بالاهتمام بتدريسهم أصول دينهم ومبادئ لغتهم وإعدادهم لخدمة وطنهم فأشرف على ذلك لفيف من المثقفين العرب، من الأديب اللبناني “بديع البستاني” الذي قضى بضيافتهم عامين 1912م – 1914م، فأطلق عليهم لقب “ملوك اللؤلؤ العربي” كما قام بتدريس أبناء الأسرة وترجم هنا الملاحم الهندية المشهورية، ومنها “المهابراته” و “الراميانه” و “النشيد الدلهي” وأشعار شاعر الهند “طاغور” والذي كانت أمنيته أن يقابله، وبالفعل تمت دعوة الشاعر الكبير، حيث قدم من البنغال واستضافه الشيخ طعبد الرحمن بن عبد العزيز آل إبراهيم” راجع” معجم الأدباء والشعراء العرب” وكتاب “كوثر النفوس” لإبراهيم البستاني. كذلك اتصل بهم هناك المرحوم “حافظ وهبة” المصري، والذي درس أبناءهم هناك وتعرف من خلالهم على أهل الخليج، وقضى فترة طويلة من حياته ضيفا عندهم، ابتدأها بالتدريس بالمدرسة المباركية بالكويت، ثم في البحرين، وبعدها التحق بخدمة المغفور له الملك “عبد العزيز آل سعود” وتبوا مناصب عدة، أخرها كان سفيراً للملكة العربية السعودية في لندن، رجع كتاب “خمسون عاما في بلاد العرب” كما استضافوا الأمير ضاري فهيد الرشيد، الذي ألف هناك كتاب “نبذة عن تاريخ نجد”. وقبل هؤلاء كان المرحوم “السيد عبد الوهاب بن السيد يوسف الحنيان” يعمل كاتباً عند “آل إبراهيم” وتعلم هناك اللغة الأوردية ومبادئ اللغة الإنجليزية، وكان رحمه الله من محبي العلم والمعرفة، فطلب منه الشيخ “محمد بن علي آل إبراهيم” الرجوع إلى الكويت، لحاجة أبناءها وشغفهم بطلب العلم، فلبى نداء الواجب وافتتح له مكتبة في “القيصرية” وبعدها مدرسة في “فريج العداسنة” عام 1887م، وقد درس على يديه الشيخ “يوسف بن عيسى القناعي” أحد أعمدة حركة التنوير في الكويت، والشيخ “عبد الله السالم” أمير الكويت الحادي عشر، كما درس على يدي أبنائه الذين توارثوا من بعده مهنة التعليم، عدد كبير من رجالات الكويت، منهم المرحوم “الشيخ فهد السالم، والسيد “عبد العزيز حمد الصقر”، والسيد “يوسف الفليج” وآخرون، راجع كتاب ” قصة التعليم في الكويت للشيخ “عبد الله النوري”. المطوعة “حصة الحنيف”.. إلى بومبي لتدريس بنات الخليج أما المرحومة المطوعة “حصة الحنيف” والدة المرحوم “عبد الملك الصالح” فقد استقدمها الشيخ “جاسم بن محمد آل إبراهيم” من الزبير إلى بومبي حينما كتب إلى المرحوم الشيخ “عذبي بن محمد الصباح” وكيله في الزبير، بحاجته إلى من يقوم بتدريس بنات الجالية الخليجية القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والقراءة وكان ذلك في بداية القرن الحالي، فتم ذلك واستقرت هناك عدة سنوات يصحبها ولدا اليتيم “عبد الملك” الذي عاش وتعلم بكنف ورعاية “آل إبراهيم، هناك ولما شب عن الطوق، رجع لينضم إلى كوكبة م المربين الأوائل في المدرسة المباركية في بداية تأسيسها. 70% من تكاليف إنشاء “المباركية” من آل إبراهيم ولابد أن نتوسع في مجال ما يخص تأسيس المدرسة المباركية، لكونها مفترق الطرق بين تعليم الكتاتيب كما كان قبل تأسيسها، ومبادئ التعليم الحديثة بعد إنشائها، حيث للأسرة نصيب الأسد في ذلك، نترك التفصيل كما يذكره صاحب الفكرة والمحرك الأول لها المرحوم الشيخ “يوسف بن عيسى القناعي” يقول في كتابه “صفحات من تاريخ الكويت ص44” إنه كتب مقالا يبين فيه فضل العلم والتعليم وقيمة التعاون، فقال: ابتدأت بالتبرع بمبلغ 50 روبية، ثم ذهبت إلى المرحوم الشيخ “سالم بن مبارك الصباح”، وتلوته عليه، فأجابني بأنه لا يمن أن يقوم بهذا الأم إلا الحاكم، وخرجت منه قاصدا محل “شملان بن سيف” ولم أجد هناك إلا “إبراهيم بن مضف” فتكلمت معه عن المشروع فتبرع بمائة روبية، وبعد فترة جاء “شملان” وأخبرته، فحبذ هذا العمل، ولكنه لم يظهر في غايته ولم يكتب شيئاً، فخرجت من محله “منكسف البال” لأنه الصديق الحميم الذي يسمح كلامي ولا يخالفني في شيء، ولكنه حين قيامه من محله ذهب إلى دكان أولاد “خالد الخضير” وأخبرهم بالخبر فاستبشروا به وتبرعوا بخمسة آلاف روبية، وتبرع “شملاان” بمثلها، وطلبوا من “إبراهيم بن مضف” الزيادة فتبرع بخمسمائة روبية، ثم خاطب “هلال المطيري” فتبرع لبخمسة آلاف روبية، ثم جرى اكتتاب فحصل من أهل الكويت 12500 روبية، ثم كتب “آل خالد” و “ناصر المبارك” و” شملان” و “هلال” إلى “جاسم وعبد الرحمن آل إبراهيم” فتبرع “جاسم” بثلاثين ألف روبية، وتبرع ” عبد الرحمن” بعشرين ألف روبية، فصار مجموع رأس المال 77500 روبية. يقول “صالح شهاب” في كتابه “تاريخ التعليم في الكويت ص25”: يشكل ما تبرع به “الشيخ جاسم بن محمد آل إبراهيم” وابن عمه “عبد الرحمن بن عبد العزيز آل إبراهيم” 70% مما جمع من بقية التجار والمواطنين وقد سر المرحوم الشيخ “يوسف بن عيسى القناعي” أيما سرور من استجابة صديقيه بالتبرع فامتدحهما بقصيدة طويلة مطلعها: هكذا الفضل وإلا فلا لا إن للفضل وللمجد رجالاً وقد ذكر “عبد العزيز الرشيد” في كتابه “تاريخ الكويت” التفاصيل نفسها ونشر القصيدة على ص368، إن هذا دليل آخر من سلسلة لا تنتهي من الأدلة على العطاء للوطن لم تنقطع، بل ظلت مستمرة وما فتئت هناك حاجة من أجل الارتقاء به وتطويره. وقد تم بناء وافتتاح أول مدرسة نظامية في الكويت سنة 1912م، وسميت المباركية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اهتمام “آل إبراهيم” في تدعيم التعليم والتنوير ليس في وطنهم الكويت فقط، بل تعداها إلى تعليم أبناء الجالية العربية في الهند، وكذلك المناطق المجاورة. يقول “يوسف حمد البسام” في كتابه “الزبير قبل 50 عاماً”: بناء مدرسة النجاة في الزبير.. وتجديد مسجد الصحابي الجليل عن بناء مدرسة “النجاة الأهلية” والتي أسسها “محمد أمين الشنقيطي” الذي سبق وأن درس في الكويت أيام حكم الشيخ “مبارك الصباح” إن الشيخ “عذبي بن محمد الصباح” قد طلب من الشيخ “عبد العزيز الإبراهيم” التبرع فتم ذلك، بالإضافة إلى تبرعه بأبواب وشبابيك قصر “خالد باشا العون” والذي اشتراه من ورثته، ومن بينها مدخل القصر الذي كان قد أهداه له الشيخ “مبارك الصباح” وهو باب ضخم صنع في كراتشي في مطلع القرن الحالي. وقد ساهمت “مدرسة النجاة” في تخريج أفواج من أبناء “الزبير” والذين يتبوؤون اليوم مناصب قيادية في وطنهم في المملكة العربية السعودية، منهم بعض الوزراء، وكبار ضباط القوات المسلحة، والقياديين في مجالات التجارة والطب والتعليم ومصالح الدولة. أليس هذا مفخرة لأهل الكويت؟ لقد وجدوا ذلك حينما احتضنتهم الشقيقة الكبرى، إبان كارثة الغزو، وفي مقدمتهم إخوانهم نهل من نبع ماأشادته وساهمت في إرسائه إحدى الأسر الكويتية العريقة.. وقل صدق المثل “من زرع حصد”!! وما دمنا بصدد “الزبير” وذكرها.. فإن من جلائل الأعمال ما قدمه الشيخ “جاسم بن محمد آل إبراهيم” عندما استنهضه أهلها بالمساهمة بالتبرع لبناء مسجد الصحابي الجليل “الزبير بن العوام” مرض بعد أن انهاء بناء المسجد الذي قام ببنائه السلطان “سليم” نتيجة أمطار غزرية هطلت عام 1335مهـ “سنة الرحمة” وقد قام بمجهود جمع التبرعات وإعادة البناء المرحوم الشيخ “عذبي بن محمد الصباح”. فما كان من الشيخ “جاسم آل إبراهيم” إلا أن يصر على إرجاع جميع التبرعات إلى أصحابها معالشكر، ويقوم بمفرده بتحمل تكاليف بناء مسجد كان من أجمل وأغلى ما شيد في الخليج وما جاورها في ذلك الوقت استقدم له البنائين من الهند وبغداد ومصر.. وهو قائم إلى يومنا هذا، راجع كتاب “الزبير قبل 50 عاماً” لـ” يوسف حمد البسام”. يذكر كذلك “سليمان فيضيء في كتابه” في غمرة النضال” مساهمة الشيخ “أحمد بن مشاري آل إبراهيم” بألف وخمسمائة كتاب من أمهات الكتب القديمة، مجلدة تجليداً فاخراً في مصر، ومنها المخطوطات والمنمنات التاريخية، مع نسخة فريدة من كتاب الشاهنامه للفردوسي. عناية متفردة بالكتب والمكتبات والمبدعين أما عن المكاتب الخاصة فقد كان للأسرة اهتمامها الكبير ومنذ القدم بجمع الكتب واقتنائها، والاهتمام بها كاعتنائهم بالشعراء والمفكرين وأهل العلم والمعرفة في كل مواطن إقامتهم، وكان المرحوم الشيخ “سليمان بن عبد اللطيف الإبراهيم/ من أوائل المشتركين في الصحف والمجلات المصرية، في العقد الثانيمن هذا القرن وكان لديه مكتبةعامرة يتردد عليها الكثيرم من أهل الكويت المهمتين بالكتاب ومحبي المعرفة، والذين لم تكن إمكاناتهم المادية تتيح لهم ذلك. ويذكر المرحوم “عبد العزيز الرشيد” مؤرخ الكويت والذي كان وكيلا لجريدة “الفتح المصرية” أن الشيخ “سليمان بن عبد اللطيف آل إبراهيم، من أوائل الشتركين ومعه المرحومان “شملان بن سيف” و” يوسف بن عيسى القناعي ” كان ذلك عام 1974م وفي وقتنا هذا تعتبر مكتبة محمد الشيخ صالح آل إبراهيم، من أكبر المكتبات الخاصة في الكويت، رغم ما تعرضت له من نهب وتخريب إبان الغزو الغاشم للوطن عام 1990م. لقد تفاعلت الأسفار المستمرة لأبناء الأسرة إلى أوروبا واستقرار بعضهم في الهند، حيث متطلبات مصالحهم التجارية الواسعة الموزعة ما بين بومبي وكلكتا، أن تعلموا وأتقنوا لغات أجنبية مكنتهم من أداء أعمالهم في تلك الأقطار، ودافعهم حكمة الحديث الشريف: “من تعلم لغة قوم أمن شرهم” يحدثنا الرحالة أ. لوشر، في كتابه “مع النجمة والهلال” وقد ترجم فضلا منه يتعلق بالكويت “عبد الله ناصر الصانع” أسماه “الكويت عام 1868م، والكتاب باللغة الإنجليزية مطبوع في فيلادليفيا بالولايات المتحدة عام 1890م يذكر عن وصول أول سفينة بخارية وصلت الكويت عليها الشيخ “يوسف بن عبد الله آل إبراهيم” والذي كان يجيد التحدث باللغة الهندستانية. وكذلك يذكر “ستابتون هوب” في كتابه “المغامر العربي”. قصة الحاج عبد الله ويليمسون” أن الشيخ “يوسف بن عبد الله آل إبراهيم” يتحدث اللغة الإنجليزية بتمكن.. وبديهي إن مثل ذلك كان من الأمور غير العادية بل أقرب إلى العجب قبل ما يقارب القرن ونصف القرن من الزمان. أما بخصوص التعليم العالم.. فكان لأبناء الأسرة نصيب طيب ومبادرة متقدمة حين ارتأوا ابتعاث اثنين من أحفاد الشيخ “يوسف بن عبد الله آل إبراهيم” هما المرحومان أحمد المشاري الإبراهيم وداود الإبراهيم إلى القاهرة لدراسة علوم الشريعة في الجامع الأزهر الشريف حوالي عام 1896م ولولا حوادث ذلك العام ومقتل الشيخين “محمد وجراح الصباح” لتم ذلك. ولكن ذلك لم يمنع دراسة كل من المرحومين “يعقوب بن يوسف آل إبراهيم وشقيقه “مصطفى” في كلية سان جون، قرب بومبي، وبعدها في جامعة عليكرة، قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها. في بداية العشرينات، فقد ابتعث مجموعة من أبناء الأسرة إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وهم كل من “عبد العزيز بن عبد الرحمن آل إبراهيم” و ” عبد الله بن يعقوب بن يوسف آل إبراهيم” و “عبد القادر بن موسى آل إبراهيم”. ولما علم الشيخ “أحمد الجابر” بأهمية الدراسة هناك بادر بإرسال المرحوم الشيخ “فهد السالم” والمرحوم الشيخ “محمد الأحمد الجابر” والمرحوم الشيخ “صباح السالم. أمير الكويت الثاني عشر”. كما ساهمت الأسرة بتأسيس المدرسة الأحمدية عام 1921م وقد أرسلت الأسرة اثنين من أبنائها من الهند للدراسة فيها لمدة عامين، وهما المرحومان يوسف وعبد الوهاب الداود الإبراهيم وكان من جملة زملائهم المرحوم أحمد محمد المرزوق، رئيس ديوان المحاسبة الأسبق. الخلاصة لا يسعنا ونحن في نهاية هذا البحث الموجز عن مآثر هذه الأسر، ونحن على ثقة بأن هناك الكثير من الأمور بل إن من نافلة القول إن هناك جزءا كبيرا شبه مفقود، وإن كانت بعض المحاولات التي خرج مجهودها إلى حيز الوجود غير متكاملة، فللذين شاركوا في إخراج هذه امعلومات وتدوينها كل التقدير والثناء. الكل يعرف صعوبة التوثيق، إذا لم تتوافر المصادر، وعلتنا نحن أبناء الخليج هي عدم اكتراثنا بالكتابة والتسجيل والمتابعة لتراثنا.. وكلنا أمل بأن المشاركين في الموسم الثقافي الرابع والعشرين لرابطة الاجتماعيين، أن يولوا هذا الموضوع اهتمامهم ويتوسعوا بدائرة الإضافة والكشف، فنحن بحاجة إلى الجديد المفيد، وما تم عرضه في الندوات السابقة هو ترديد لمعلومات أشبت بحثاً وتنقيباً. أما إذا كانت هناك محاولات تعتيم وتقزيم، فهي بلا شك غير مجدية، واستمراريتها هي فقدان المعرفة وجهل الحقيقة… ويبقى الخاسر الوحيد هو الوطن.
جريدة الطليعة، شئون كويتية، الأربعاء، مارس، 1997، العدد 1276 عطاء الرواد بين المحذور والميسور

4256 اجمالي الزيارات 6 الزيارات اليوم
تعليقات الزوار